القائمة الرئيسية

الصفحات

أصل-الرياضيات-هل-هي-عقلي-ام-تجريبي-مقالة د شهاب


د شهاب

طرح المشكلة :
تحتل الرياضيات المكانة الأولى بين مختلف العلوم ، فهي تدرُس الكم بنوعيه : المتصل كالهندسة و المنفصل كالجبر وتعتمد على مجموعة من المبادئ و المفاهيم ، فإذا كان لكل شيء أصل و لكل علم مصدر فقد اختلف الفلاسفة في تحديد أصل المفاهيم الرياضية حيث نجد أن هناك نزعة عقلية يرى فيها أصحابها أن المفاهيم من ابتكار العقل دون التجربة في حين أن النزعة التجريبية يذهب أنصارها الى أن المفاهيم يكتسبها الانسان عن طريق تجاربه الحسية و عليه نتساءل هل الرياضيات في أصلها الأول صادرة عن العقل بالضرورة ، أليس للتجربة تأثير في وجودها ؟ أو بعبارة أخرى هل الرياضيات مستخلصة من العقل ام من التجربة ؟

محاولة حل المشكل :
الموقف الأول :
يرى العقليون أن أصل المفاهيم الرياضية يعود الى المبادئ الفطرية أي بواسطة الاستدلال العقلي الخالص و بغير اللجوء الى التجربة ، فالعقل بطبيعته يتوفر على مبادئ و أفكار فطرية سابقة للتجربة الحسية و يتمتع بالبداهة و الوضوح ، فقد حصر هؤلاء الرياضيات في أنها جملة من المفاهيم المجردة أنشأها الذهن دون الحاجة الى الرجوع للواقع و دليلهم على ذلك أننا اذا تصفحنا تلك المعارف وجدناها تتصف بمميزات المطلقية و الكلية و الضرورية و التي لا نجدها في العلوم الاخرى التي تنتسب الى التجربة .


ان التجربة ليست بديلا للعقل في هذا المجال و من تم فإن المفاهيم الرياضية تنفرد كونها نابغة من العقل و في كونها مستقلة عن التجربة المتغيرة ، فالمكان الهندسي و الخط المستقيم و العدد اللانهائي و العد الأكبر و الأصغر و غيرها كلها معاني رياضية عقلية مجردة ، و من وقف في الدفاع عن هذا المنطق عدد من الفلاسفة أمثال أفلاطون الذي اشترط على من يريد الدخول الى اكادميته ان يكون عالما بالهندسة و الرياضيات " فمن لم يكن رياضيا لا يطرق بابنا" وكما جاء في كتابه الجمهورية " عالم المثل مبدأ كل موجود و معقول " ، ويرى الفيلسوف ديكارت " ان المعاني الرياضية من أعداد و أشكال هي أفكار فطرية أودعها الله فينا مند البداية " وهذه الأفكار تتمتع بالبساطة و البداهة و اليقين ويعتبر الفيلسوف الالماني كانط أن المكان و الزمان مفهومان مجردان وهما شرط و دعامة أساسية لكل معرفة حسية كما أنهما ليسا مستمدين من التجربة ، إذن ليست المفاهيم الرياضية مستخلصة من التجربة الحسية و انما هي مستقرة في الذهن قبل التجربة .
النقد : 
لا يمكننا أن نتقبل أن الجميع المفاهيم الرياضية هي مفاهيم عقلية لأن الكثيرة من المفاهيم الرياضية لها ما يقابلها في العالم الحسي ، و تاريخ العلم يدل على أن الرياضيات قبل أن تصبح علما عقليا قطعت مراحل كلها تجريبية و يشهد على ذلك الهندسة التي سبقت الحساب و الجبر لأنها أقرب الى التجربة ، ولو كانت المفاهيم الرياضية فطرية لتساوى العلم عند جميع الناس كما يقول جون لوك " لو كان الناس يولدون و في عقولهم أفكار فطرية لتساووا في المعرفة " 
الموقف التاني :
يرى الحسيون أو التجربيون أمثال " لوك و هيوم و مل " أن المبادئ و المفاهيم الرياضية مثل جميع معارفنا تنشأ من صميم التجربة و الملاحظة كما يقول كلود برنارد " التجريب هو الوسيلة الوحيدة التي نملكها لنطلع على طبيعة الأشياء التي هي خارجة عنا " ، فالعالم الواقعي هو المصدر اليقيني للمعرفة و على هذا الأساس تصبح التجربة المصدر الأول لجميع أفكارنا و معارفنا و في هذا السياق يقولون " لا يوجد شيء في الذهن ما لم يوجد من قبل في التجربة " ويقولون أيضا ان القضايا الرياضية التي هي من الافكار المركبة ليست سوى مدركات بسيطة او بعبارة اخرى هي  تعميمات مصدرها التجربة أي التأمل الحسي الخارجي فمثلا لو أعطينا طفل ثلاث حبات زيتون و أعطينا لاخاه الأكبر خمس حبات نلاحظ أن الطفل الصغير يشعر بالضيق لأنه يرى أن حصته أقل من حصة أخيه لكن حكمه هذا لا يستند الى أن حصة أخيه تفوقه بـ 2 لأن هذه العملية تتطلب النظر الى كمية الزيتون باعتبارها وحدات مجردة و يقوم بعملية الطرح و لكن هذا يفوق عقل الطفل في المرحلة الاولى ، كما أن الرجل البدائي كان يعتمد على العد باستعمال الحصى و العيدان و أصابع اليدين و القدمين وغيرها ويضيف لوك " لنفترض أن العقل صفحة بيضاء خالية من أي كتابة أو أي معنى ، فكيف استعدت لأن تتلقى ما يلقى اليها ؟ و من أين لها ذلك المستودع العظيم الذي نقشه عليها خيال الانسان ؟ ومن أين لها كل مواد الفهم و المعرفة ؟ عن كل هذه الأسئلة أجيب بكلمة واحدة :التجربة " اذن فالمفاهيم الرياضية لا تفارق مجال الادراك الحسي و الدليل على ذلك أن الهندسة كعلم قائم بذاته سبقت الحساب و الجبر لأنها أقرب الى التجربة يقول أحد الفلاسفة " لو لم يكن في الطبيعة أجسام حسية لما وجد علم الهندسة "  فمعرفتنا  للدائرة كانت عن طريق القمر و المثلثات عن طريق الجبال ، اذن الرياضيات مرتبطة بالمحسوسات و لو كانت المفاهيم الرياضية في أصلها عقلي لوجدنا أن الجبر تطور قبل الهندسة 
النقد: لا يمكننا أن نسلم أن المفاهيم الرياضية هي مفاهيم تجريبية فقط لأننا لا يمكن أن ننكر الأفكار الفطرية التي يولد الانسان بها و دور العقل في تطوير المبادئ و المفاهيم الرياضية وهذا ما أكده أفلاطون في قوله "أن مجال الرياضيات لن يتحقق إلا بواسطة العقل دون المعارف الاخرى"
التركيب :


  ان العقل و التجربة مرتبطان و متلازمان ، فلا وجود لعالم مثالي للمعاني الرياضية في غياب العالم الخارجي و لا وجود للأشياء المحسوسة في غياب الوعي الإنساني و الحقيقة أن الرياضيات لم تنشأ دفعة واحدة لذلك من الخطأ فصل العقل عن التجربة ، فنشأت المعاني الرياضية لاهي عقلية بحت و لاهي حسية خالصة فهناك تفاعل الجانب العقلي مع الجانب التجريبي و لذلك علينا ان نركب بين المذهب العقلي و المذهب التجريبي و هذا ما اتجه اليه الفيلسوف كانط الذي حسم في أمر مصدرية المعرفة في قوله " ان الادراكات الحسية بغير المدركات العقلية عمياء و الادراكات العقلية بغير الادراكات الحسية جوفاء " و كما يقول سارطون " ان الرياضيات هي أولى العلوم الرياضية نشوءا فقد كانت في الماضي تجريبية ثم تجردت الى هده التأثيرات فأصبحت علما عقليا
خاتمة : 
 لاشك أن التجربة كانت في البداية منطلق التفكير الرياضي و لكن أصبح من الصبياني طرح مشكلة أسبقية العقل أو التجربة في نشوء هذا التفكير و بالنظر الى المفاهيم الرياضية ندرك ان أصلها عقلية مجردة مرتبطة بالجانب الحسي و لهذا يقول العالم الرياضي غونزيت " في كل بناء تجريبي يوجد راسب حسي يستحيل محوه أو ازالته " وكل ما هناك أن أحد الجانبيين العقلي و التجريبي قد يطغى على الاخر دون أن يلغيه تماما كما يقول هيجل " ان كل ما هو عقلي فهو واقعي و ما هو واقعي فهو عقلي " ، وبالنظر الى أن الرياضيات غاصت في التجريد أكتر فأكتر يمكن القول أن عالم الرياضيات هو عالم الانسان التجريدي العقلي الخالص .   د.شهاب
reaction:

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق

إرسال تعليق